أبي هلال العسكري

269

الصناعتين ، الكتابة والشعر

أبلغ من قوله تعالى : ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ، وإن كان هذا أنفى لجميع ما يملك في الظاهر . وتقول العرب : ما رزأته زبالا . والزّبال : ما تحمله النحلة بفيها ؛ يريدون ما نقصته شيئا . وقال النابغة « 1 » : يجمع الجيش ذا الألوف ويعدو * ثمّ لا يرزأ العدوّ فتيلا « 2 » ولو قلت أيضا : ما يملك شيئا البتة ، وما يظلمون شيئا لما عمل عمل قولك : ما يملكون قطميرا . ولا يظلمون نقيرا « 3 » ؛ وإن كان في الأول ما يؤكده من قولك : البتة ، وأصلا . كذا حكاه لي أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان . وليس يقتضى هذا أنهم يظلمون دون النقير ، أو يملكون دون القطمير ؛ بل هو نفى لجميع الملك والظلم ، لا يشك في ذلك من يسمعه . وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل في نفس السامع ما لا تفعل الحقيقة ؛ ومن غير هذا النوع قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ معناه سنقصد ؛ لأنّ القصد لا يكون إلا مع الفراغ ، ثم في الفراغ هاهنا معنى ليس في القصد وهو التوعد والتهديد . ألا ترى قولك : سأفرغ لك ، يتضمن من الإيعاد ما لا يتضمّنه قولك : سأقصد لك . وهكذا قوله تعالى : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ؛ أي لا تعي شيئا ، لأن المكان إذا كان خاليا فهو هواء حتى يشغله شيء . وقولك : هذا أوجز من قولك : لا تعى شيئا ، فلإيجازه فضل الحقيقة . وكذلك قوله تعالى : أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ، معناه أطلعنا عليهم . والاستعارة أبلغ ؛ لأنها تتضمن غفلة القوم عنهم حتى اطلعوا عليهم ، وأصله أن من عثر بشئ وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه ، فاستعير الإعثار مكان التبيين والإظهار . ومنه قول الناس : ما عثرت من فلان على سوء قط ؛ أي ما ظهرت على ذلك منه .

--> ( 1 ) ديوانه : 90 . ( 2 ) الفتيل : ما كان في شق النواة . ( 3 ) القطمير : القشرة الرقيقة على النواة . والنقير : النكتة في النواة .